الفيض الكاشاني

اللئالي 22

مجموعة رسائل

دارت على نفسها جسماً مصوّراً ثمّ نباتاً ثمّ حيواناً ثمّ إنساناً ذا عقل ، فابتدأ الوجود من العقل وانتهى إلى العقل ؛ « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » « 1 » ، « كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ » « 2 » ، وفي الحقيقة منه البدو وإليه العود . اين جان عاريت كه به حافظ سپرد دوست * روزى رخش ببينم وتسليم وى كنم « 3 » والشرف والكمال إنّما هو بالدنوّ من الحقّ المتعال ؛ ففي البدو كلّما تقدّم كان أوفر اختصاصاً ، وفي العود كلّما تأخّر كان أعلى مكاناً . وإلى البدو أشير بليلة القدر وإنزال الكتب و [ إرسال ] الرسل المعنويّين : « تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ » « 4 » ، وإلى العود بيوم القيامة والمعراج المعنوي : « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ » « 5 » . وعنهما عبّر في الأخبار بالإقبال والإدبار . روى في الكافي بإسناده عن الصادق عليه السلام ، قال : ( إنّ اللَّه خلق العقل وهو أوّل ما خلق من الروحانيّين عن يمين العرش من نوره ، فقال له : أدبر ؛ فأدبر « 6 » . قال له : أقبل ؛ فأقبل ، فقال اللَّه تعالى : خلقتك خلقاً عظيماً ، وكرّمتك على جميع خلقي . قال : ثمّ خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانيّاً ، فقال له : أدبر ؛ فأدبر ، ثمّ قال له : أقبل فلم « 7 » يقبل ، فقال له : استكبرت . فلعنه ) « 8 » . ثمّ ذكر عليه السلام جنود العقل من الخيرات وجنود الجهل من الشرور . والجهل يتميّز ويظهر بالعقل ، فوجوده بالعرض من غير صنع ، وإدباره تابع لإدبار العقل وإقباله معاً ، وإنّما لم يقبل لأنّه بالإدبار بلغ أقصى مراتب الكمال المتصوّر في حقّه ، ولهذا استكبر .

--> ( 1 ) - الأعراف : 29 . ( 2 ) - الأنبياء : 104 . ( 3 ) - ديوان حافظ رحمه الله ، ص 172 ، غزل : « حاشا كه من به موسم گل ترك مِىْ كنم » . ( 4 ) - القدر : 4 . ( 5 ) - المعارج : 4 . ( 6 ) - مر : + ثمّ . ( 7 ) - مط : لم . ( 8 ) - الخصال ، ص 589 ؛ علل الشرايع ، ج 1 ، ص 114 ، ح 10 .